زوار الموقع لهذا اليوم حتى الان: 4915 زائر     |     العدد الكلّي للزيارات 137663771 زيارة     |     اليوم الأكثر زيارات (2012-01-04): 202225 زائر
إنّ الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً
القسم الإسلامي
موقع بوابة صيدا www.saidagate.net تمّ النشر في 2018-09-23 09:34:38 المشاهدين = 838
بوابة صيدا - الزواج العرفي وحكمه (2) [43]: بقلم الشيخ الدكتور علي عثمان جرادي
بقلم الشيخ الدكتور علي عثمان جرادي / خاص بوابة صيدا

صور الزواج العرفي:

لم يتفق العلماء على عدد معين من الصور، بل بعضهم قسمها الى قسمين وبعضهم الى أكثر من ذلك والذي أختاره أن الزواج العرفي له صور عدة نذكرها جميعها:

الصورة الأولى: أن يتم العقد فاقداً لركن من أركان الزواج أو لشرط من شروطه، وهذا لا شك أنه عقد باطل باتفاق أهل العلم، حيث اختل ركن أو شرط من أركان أو شروط صحة النكاح.

الصورة الثانية: أن يتم العقد مستكملاً للشروط والأركان، ولكنه لم يوثق بوثيقة رسمية في الدوائر الرسمية، وهذا لا شك أنه عقد صحيح باتفاق أهل العلم، وحكم توثيق العقد بالدوائر الرسمية سيأتي فيما بعد إن شاء الله.

الصورة الثالثة: أن يتم الزواج بدون ولي، وبدون توثيق للعقد بالدوائر الرسمية، وحكمه البطلان عند جمهور الفقهاء، وأجاز الحنفية العقد بشروط.

الصورة الرابعة: أن يتم العقد بين الطرفين بلا ولي ولا شهود، ودون توثيق، وهذا يتطلب منا: بيان حكم الشهود في عقد الزواج.

مذاهب الفقهاء في اشتراط الشهادة على عقد الزواج:

القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء الى اشتراط الشهادة في عقد الزواج، وذهب البعض الى أنه ليس شرطاً يتوقف عليه صحة العقد.

مذهب الحنفية: فقد جاء في المبسوط: "بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا نكاح إلا بشهود ". [السنن الكبرى، البيهقي، باب لا نكاح إلا بولي، ح14016، ج7، 111]

وبه أخذ علماؤنا رحمهم الله تعالى". [المبسوط، السرخسي، ج5، ص63]. وقال: "وهذا لأن النكاح عقد عظيم خطره كبير ومقاصده شريفة ولهذا أظهر الشرع خطره باشتراط الشاهدين فيه من بين سائر المعاوضات". [المبسوط، السرخسي، ج5، ص18].

مذهب الشافعية: "وأركانه خمسة صيغة وزوجة وشاهدان وزوج وولي وهما العاقدان". [مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، الخطيب الشربيني، ج3، ص139].

مذهب الحنابلة: "أن النكاح لا ينعقد إلا بشاهدين وهذا المشهور عن أحمد وروي ذلك عن عمر وعلي وهو قول ابن عباس وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد والحسن والنخعي وقتادة و الثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وعن أحمد أنه يصح بغير شهود". [المغني، ابن قدامة، ج7، ص337].

مذهب مالك: "حَاصِلُهُ أَنَّ الْإِشْهَادَ على النِّكَاحِ وَاجِبٌ وَكَوْنُهُ عِنْدَ الْعَقْدِ مندوباً زائداً على الْوَاجِبِ فَإِنْ حَصَلَ الْإِشْهَادُ عِنْدَ الْعَقْدِ فَقَدْ حَصَلَ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ وَإِنْ لم يَحْصُلْ عِنْدَ الْعَقْدِ كان وَاجِبًا عِنْدَ الْبِنَاءِ". [حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، الدسوقي، محمد عرفه، بيروت لبنان، تحقيق محمد عليش، دار الفكر، ج2، ص216].

أدلة القائلين باشتراط الشاهدين:

أولاً: من السنة النبوية:

1 . حديث: " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ". [السنن الكبرى، البيهقي، باب لا نكاح إلا بولي، ح13423، ج7، ص111].

2 . حديث: " البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة ". [الترمذي، باب لا نكاح إلا ببينة، ح1103، ج3، ص411].

3 . حديث: " أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا وَشَاهِدَي عَدْلٍ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ وَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِىُّ مَنْ لاَ وَلِي لَهُ ". [الترمذي, باب لا نكاح إلا بولي, ح1102, ج3, ص407, قال أبو عيسى: هذا حديث حسن, وابن ماجه, باب لا نكاح إلا بولي, ح1879, ج1, ص605].

قال الترمذي: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من التابعين قالوا: لا نكاح إلا بشهود لم يختلفوا في ذلك من مضى منهم إلا قوماً من المتأخرين من أهل العلم وإنما اختلف أهل العلم في هذا إذا شهد واحد بعد واحد فقال أكثر العلم من أهل الكوفة وغيرهم: لا يجوز النكاح حتى يشهد الشاهدان معاً عند عقدة النكاح وقد رأى بعض أهل المدينة إذا أشهد واحد بعد واحد فإنه جائز إذا أعلنوا ذلك وهو قول مالك بن أنس وغيره هكذا قال إسحق فيما حكى عن أهل المدينة وقال بعض أهل العلم: يجوز شهادة رجل وامرأتين في النكاح وهو قول أحمد وإسحق". [الترمذي، باب لا نكاح الا ببينة، ج3، ص411].

ثانياً: من المعقول:

عقد النكاح له شأن عظيم في الإسلام، إذ يترتب عليه من الآثار ما يقتضي شهرته، بين الناس حتى يأمن الزوجان جحود النكاح وإنكاره، وفي هذا دفع لتهمة الزنا عنهما، وغير ذلك ولا يشتهر ذلك إلا بالإشهاد.

القول الثاني: وذهب مالك، وأبو ثور، ورواية عن أحمد، وأهل الظاهر الى عدم اشتراط الاشهاد لصحة عقد الزواج، إلا أن مالكاً اعتبر الاشاعة وترك التراضي بالكتمان.

مذهب المالكية: "وينعقد النكاح بغير شهود عند مالك كما ينعقد البيع". [الكافي، ابن عبر البر، ج2، ص520].

وقال ابن عبد البر: ومن فرض النكاح عند مالك إعلانه لحفظ النسب". [الكافي، ابن عبر البر، ج2، ص519، ينظر: اختلاف الأئمة، ابن هبيرة، ج2، ص128].

وقال أبو عمر: "مالك يرى أن النكاح منعقد برضا الزوجين المالكين لأنفسهما وولي المرأة أو رضا الوليين في الصغار ومن جرى مجراهم من البوالغ الكبار على ما ذكرنا من مذهبه في باب الأولياء، وليس الشهود في النكاح عنده من فرائض عقد النكاح، ويجوز عقده بغير شهود، وهو قول الليث، والحجة لمذهبه أن البيوع التي ذكر الله فيها الإشهاد عند العقد قد قامت الدلالة بأن ذلك ليس من فرائض البيوع فالنكاح الذي لم يذكر الله فيه الإشهاد أحرى بأن لا يكون الإشهاد فيه من شروط فرائضه وإنما الفرض الإعلان والظهور لحفظ الأنساب والإشهاد يصلح بعد العقد للتداعي والاختلاف فيما ينعقد بين المتناكحين، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أعلنوا النكاح" [مسند أحمد، ح16130، ج26، ص53] وقول مالك هذا هو قول بن شهاب وأكثر أهل المدينة".  [الاستذكار، ابن عبر البر، ج5، ص471].

وفي الشرح الكبير: "(و) ندب (إشهاد عدلين) فغير العدل من مستور وفاسق عدم". [الشرح الكبير، الدردير، ج2، ص216].

وفي البهجة في شرح التحفة: "فعلم منه أن الإشهاد ليس شرطاً في صحة النكاح ولا ركناً فيه لوجود العقد وصحته بحصول الإيجاب من الولي والقبول من الزوج، وإنما هو شرط في الدخول فإن دخل بغير إشهاد فسخ بطلقة بائنة". [البهجة في شرح التحفة، التسولي، ص381].

قال ابن المنذر: "لا يثبت في الشاهدين في النكاح خبر". [المغني، ابن قدامة، ج7، ص337].

مذهب الحنابلة: "وعن أحمد أنه يصح بغير شهود". [المغني، ابن قدامة، ج7، ص337].

يعلم مما سبق أن المالكية لم يشترطوا الاشهاد على العقد للحكم بصحته كما هو المشهور من كلام المالكية، وإنما جعلوه أمراً مندوباً، ولكنهم أوجبوا الإعلان عنه وإخراجه عن السرية.

مذهب أبي ثور والظاهرية: "وقال أبو ثور: يصح من غير شهادة، وهو قول أهل الظاهر ومالك، غير أن مالكًا، اعتبر الإشاعة وترك التراضي بالكتمان". [حلية العلماء، الشاشي القفال، ج3، ص63].

محل النزاع:

"وَنِزَاعُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ. فَقِيلَ: يَجِبُ الْإِعْلَانُ أَشْهَدُوا أَوْ لَمْ يُشْهِدُوا فَإِذَا أَعْلَنُوهُ وَلَمْ يَشْهَدُوا تَمَّ الْعَقْدُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَاتِ. وَقِيلَ: يَجِبُ الْإِشْهَادُ: أَعْلَنُوهُ أَوْ لَمْ يُعْلِنُوهُ فَمَتَى أَشْهَدُوا وَتَوَاصَوْا بِكِتْمَانِهِ لَمْ يَبْطُلْ وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَاتِ. وَقِيلَ: يَجِبُ الْأَمْرَانِ الْإِشْهَادُ وَالْإِعْلَانُ. وَقِيلَ: يَجِبُ أَحَدُهُمَا. وَكِلَاهُمَا يُذْكَرُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد". [مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج33، ص158].

قال ابن رشد: "واتفق أبو حنيفة والشافعي ومالك على أن الشهادة من شرط النكاح واختلفوا هل هي شرط تمام يؤمر به عند الدخول أو شرط صحة يؤمر به عند العقد واتفقوا على أنه لا يجوز نكاح السر. واختلفوا إذا أشهد شاهدين ووصيا بالكتمان هل هو سر أو ليس بسر؟ فقال مالك: هو سر ويفسخ، وقال أبو حنيفة والشافعي: ليس بسر. وسبب اختلافهم: هل الشهادة في ذلك حكم شرعي أم إنما المقصود منها سد ذريعة الاختلاف أو الإنكار؟ فمن قال حكم شرعي قال: هي شرط من شروط الصحة ومن قال توثق قال: من شروط التمام. [بداية المجتهد، ابن رشد، ج2، ص17].

أدلة القائلين بعدم اشتراط الإشهاد على النكاح:

أولاً: استدلالهم بالكتاب:

قالوا إن الآيات التي وردت في القرآن بشأن النكاح. إما مطلقة ليست مقيدة بشهود، كقوله تعالى: { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء الآية 3].

وما ورد من الأحاديث التي تدل على اشتراط الشهادة في النكاح، لا تصلح مقيدة لما في الكتاب ولا مخصصة له لأنها أحاديث آحاد. فهي زائدة على ما ورد في الكتاب لا دليل عليها .

ثانياً: استدلالهم بالسنة النبوية الشريفة:

1 . حديث سهل: " اذهب فقد أنكحتكها بما معك من القرآن". [البخاري، باب باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه، ح4741، ج4، ص1919، ومسلم، باب الصَّدَاقِ وَجَوَازِ كَوْنِهِ تَعْلِيمَ قُرْآنٍ وَخَاتَمَ حَدِيدٍ، ح3553، ج4، ص134].

وجه الدلالة من الحديث، أنه قد ثبت نكاح الرجل المرأة على ما معه من القرآن وسياقه يدل على أنه كان بدون شهود على النكاح، إذ ليس في الحديث ما يدل على وجودهم، وهو دليل على عدم اشتراطها .

2 . حديث: تزوج النبي  صلى الله عليه وسلم من صفية بنت حيي بعد أن أعتقها بدون شهود، لأن المسلمين كانوا في حيرة من أمرها، حتى قال الناس: ما ندري أتزوجها  صلى الله عليه وسلم، أم هي مما ملكت يمينه؟ فلما أراد الرسول  صلى الله عليه وسلم أن يرحل حجبها، فعلموا أنه تزوجها. [البخاري، باب البناء في السفر، ح4864، ج5، ص1980، ومسلم، باب فَضِيلَةِ إِعْتَاقِهِ أَمَتَهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا، ح3571، ج4، ص146].

فالمسلمون لم يعلموا زواج الرسول منها إلا عن طريق الحجاب، ولو كان الإشهاد شرطاً في النكاح لعلموا بزواجه منها، عن طريق الشهود، ولما وقعوا في حيرة من أمرها.

وهذا دليل على عدم اشتراط الشهادة في النكاح، عملاً بفعل النبي  صلى الله عليه وسلم لأن الأصل في فعله التشريع العام.

مناقشة أدلة النافين لاشتراط الشهادة:

يرد عليه أن الآيات المتعلقة بالنكاح التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، وظاهرها يفيد الإطلاق، قد قيدت بأدلة قطعية، كأدلة تحريم النكاح على من عنده أربع نسوة. وأحاديث اشتراط الشهادة في عقد النكاح، وإن كانت أحاديث آحاد، فمع تعدد طرقها وتلقي الأمة لها بالقبول، صالحة للاحتجاج بها.

وأما استدلاهم بحديث سهل بن سعد الساعدي، فليس فيه ما يدل على عدم اشتراط الشهادة في عقد النكاح، وإنما فيه الدلالة على جواز نكاح الرجل بما معه من القرآن، بل لقد ورد في بعض طرقه ما يدل على وقوع النكاح أمام الشهود .

فرواية البخاري: (إني لفي القوم عند رسول الله إذ قامت امرأة). [البخاري، باب التزويج على القرآن وبغير صداق، ح4854، ج5، ص1977]. فهذه الرواية تدل على أن القصة وقعت بمحضر من الناس.

وأما قصة زواجه من صفية، وعدم علم أصحابه بهذا الزواج إلا عن طريق الحجاب، فليس دليلاً على وقوع العقد بدون إشهاد، لاحتمال أن الذين وقعوا في هذه الحيرة من أمرها من غير الشهود على هذا العقد، ولهذا الاحتمال بطل الاستدلال بما ذكره.

الترجيح: عند النظر في القولين وتأمل الأدلة والمناقشات، والنظر في أوضاع الناس وواقع المجتمعات، يظهر لي رجحان القول الأول القاضي باشتراط الشهادة في عقد النكاح، وذلك لعدة أسباب منها

1 . أن أحاديث اشتراط الشهادة كثيرة، وقد ذكرت بعضها، وقد رويت بطرق مختلفة وأسانيد متعددة، لذا يظهر لمن تأمل أسانيد الأحاديث وطرقها ومتابعاتها أنها صالحة بمجموعها للاحتجاج بها، فأقل ما يقال في الشهادة في عقد النكاح أنها ثابتة بأحاديث حسنة.

2 . اشتراط الشهادة في عقد النكاح له فوائد عدة، منها

أولاً: إثبات النكاح عند العقد وصيانة له عن الجحود، خصوصاً ونحن في زمن تهاون فيه كثير من الناس في التقاء الزوجين قبل الدخول ببعضهما، وأحياناً الخلوة بها والخروج معها وقد يواقعها، مما استدعى الأمر معه إلى إثبات النكاح عند العقد، وليس عند الدخول.

ثانياً: أن من المقرر عند الفقهاء أن الأصل في الأبضاع الحرمة، فإذا تعارض دليلان أحدهما موجب للحل والآخر موجب للحرمة رجح الموجب للحرمة للأصل.

ثالثاً: الناس يختلفون في إعلان النكاح بحسب أعرافهم وواقعهم، وقد يطرأ عليهم ما يمنع من إعلانه، ثم إن ضابط الإعلان مختلف فيه، فكان اشتراط الشهادة في العقد أولى من عدمه، لأن الشهادة لا مجال فيها للتفاوت أو الاختلاف.

3 . عند تأمل الآثار المترتبة على القول الثاني يظهر رجحان القول الأول، ففي عدم اشتراط الشهادة في عقد النكاح انتشار لنكاح السر، وناهيك عن ما فيه من مفاسد وأضرار على الأفراد والمجتمعات، ولا سيما هذا الواقع الذي كثر فيه التحيل على الحرام وماتت الغيرة في نفوس فئة من المسلمين، بل وانتشرت الدياثة التي تأباها الشريعة والفطر المستقيمة.

4 . عند المقارنة بين أدلة القولين والإجابة عنها، يظهر لي أن أدلة القول الأول أقوى ثبوتاً وأظهر حجة من أدلة القول الثاني.

وأما حكم هذه الصورة من صور الزواج العرفي:

فهو عقد باطل عند الجمهور، وجائز عند مالك بشرط الاعلان بعد ذلك، وصح عند أبي ثور، وأهل الظاهر، ورواية عن أحمد، ولكن هنا نعود لقضية توثيق عقود الزواج وحكمها، وهذا ما سنذكره فيما بعد.

ومن هنا يظهر لنا رجحان رأي الجمهور أن الإشهاد على النكاح شرط للاطمئنان إلى أدلتهم، وقد مر بنا قول الترمذي: "أن العمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي  ومن بعدهم من التابعين وغيرهم، ولم يخالف في ذلك من مضى منهم". [الترمذي، باب لا نكاح الا ببينة، ج3، ص411].

في أقوال العلماء المعاصرين في الزواج العرفي:

1 . الشيخ محمد أبو زهرة: "الزواج ما دام يحضره شاهدان يعرفان الزوجين، ويسمعان كلامهما ويفهمانه، فهو زواج شرعي يحل المرأة للرجل، وليس شرط الحل أن يسجل العقد أمام مأذون، ولكن ما لم يوثق لا تسمع الدعوى عند إنكاره، ولذلك يجب التسجيل للاحتياط من الإنكار". [الفتاوى، محمد أبو زهرة، ص468].

2 . الشيخ حسنين مخلوف الزواج العُرْفِيّ: السؤال: "هل إذا عقد الزوجانِ زواجهما بإيجابٍ وقَبول شرعيينِ وبحضور شاهدينِ مُستوفيَينِ للشرائط الشرعية بدون إثبات العقد في وثيقةٍ رسمية لدَى المأذون أو الموظف المُختصِّ يكون زواجًا شرعيًّا وتحلُّ به المُعاشرة بينهما أو لابدَّ مِن إثباته في الوثيقة الرسمية؟

الجواب: عقد الزواج إذا استوفَى أركانه وشروطه الشرعية تحلُّ به المُعاشرة بين الزوجينِ وليس مِن شرائطه الشرعية إثباته كتابةً في وثيقة رسمية ولا غير رسمية، وإنما التوثيق لدَى المأذونِ أو الموظف المُختص نظامٌ أوجبتْه اللوائح والقوانين الخاصة بالمحاكم الشرعية خشيةَ الجُحود وحفظًا للحقوق وحذَّرت مِن مُخالفته لما لهُ مِن النتائج الخطيرة عند الجُحود. والله أعلم". [فتاوى شرعية، حسنين مخلوف، ج2، ص55].

3 . الشيخ علي الطنطاوي: "هذا الزواج بهذا المعنى، زواج صحيح - أي الزواج العرفي - ولكن للحاكم أن يعاقب فاعله بنوع من العقوبات لأنه خالف أمراً أوجب الله طاعته". [فتاوى الطنطاوي، ص185].

4 . رأي الشيخ محمد متولي الشعراوي: "الزواج العرفي زنا، لأن الزواج إذا كان في الخفاء انتهت المسألة لعدم وجود الإعلان والإشهار، لماذا إنسان يكون زواجه في الخفاء؟ إنه في هذه الحالة يشبه نفسه ببعض البلطجية والمنحرفين الذين يلتفون حول أنثى في الخفاء، الزواج العرفي حرام حرام حرام".

5 . ويؤكد مفتي الجمهورية في مصر فريد واصل ويقول: "أن الزواج العرفي الذي يتم في الجامعات المصرية وغيرها من الأماكن فاسد وباطل، ويخل بكل المبادئ والقيم الروحية ويؤدي الى ضياع الأبناء وتشريدهم في المجتمع ولا تترتب عليه أي آثار شرعية ... ويصفه الكثيرون بأنه نوع من أنواع الزنا لم تكتمل فيه أركان النكاح، وفيه مخالفة لحدود الله ورسوله". [الزواج العرفي في الميزان، جمال محمود، ناقلاً عن مجلة آخر ساعة، العدد16/3259، إبريل1997م].

6 . اللجنة الدائمة: سئلت عن الزواج العرفي، فأجابت: "الزواج في الإسلام مبني على الإعلان، فلا يجوز إخفاؤه، ولمشروعية إعلانه حكم جليلة لا تخفى، من أهمها التفريق بينه وبين السفاح، فإن السفاح هو الذي يخفى ويسر به". [فتاوى اللجنة الدائمة، ج19، ص134].

7 . قال الشيخ حسام عفانة: "المشهور أن الزواج العرفي يطلق على الزواج المستكمل للأركان والشروط ولكنه غير مسجل بوثيقة رسمية كتسجيله في المحكمة الشرعية وقد تكتب ورقة بحضور الولي والشهود. وهذا ما درج عليه الكاتبون في قضايا الزواج والأحوال الشخصية.

ولكن بعض الناس يستعملون اصطلاح الزواج العرفي فيما يتم بين شاب وفتاة كأن يقول لها زوجيني نفسك فتقول له زوجتك نفسي ثم يكتبان ورقة بينهما أو عند محامٍ وهذا النوع أصبح منتشراً في بلاد كثيرة وبدأ يمارس في بلادنا. ولا شك في بطلان هذا الثاني وهو ما يسمى بالزواج المدني ولا يعتبر هذا زواجاً في الشرع بل هو زنىً والعياذ بالله، وأما الأول فهو زواج معتبر شرعاً وهو ما كان سائداً بين المسلمين قديماً إلى أن صار توثيق الزواج بوثائق رسمية متعارفاً عليه بين المسلمين وصارت بعض قوانين الأحوال الشخصية تلزم تسجيل الزواج رسمياً... وأنصح الآباء أن لا يزوجوا بناتهم زواجاً عرفياً وأن يحرصوا أشد الحرص على الزواج الصحيح الموثق بوثيقة رسمية ومسجل في المحاكم الشرعية".

وبعد أن بينا صور الزواج العرفي وبيان حكم كل صورة، نعطي حكماً عاماً فيه ما لم يختل فيه شرط من الشروط أو ركن من الأركان.

 فنقول:

بالنظر الى مزايا وسلبيات الزواج العرفي، وبالنظر الى آثاره الإجتماعية فإنه يتضح بما لا يدع مجالاً للشك عدم التشجيع على هذا الزواج العرفي الموافق للشرع - أما المخالف للشرع فلا يعد من جملة العقود أصلاً - ويجب اتخاذ الوسائل والطرق اللازمة لمنع انتشاره في المجتمع لأسباب أذكر منها:

1 . العقد في الزواج العرفي وإن كان صحيحاً شكلاً في بعض صوره فهو معيب معنى، لأنه لا يتوافق مع بعض الحكم الشرعي والمقاصد السامية للزواج.

2 . العقد في الزواج ليس كغيره من العقود، فهو يتعلق بالأبضاع ومعلوم أن الأصل في الأبضاع التحريم. [يسالونك، حسام عفانة، ج10، ص442-446]. لذا يجب الاحتياط في أمر الزواج ما لا يحتاط في غيره، ولذا تبقى الشبهة قائمة في الزواج العرفي.

3 . معلوم من قواعد الشريعة أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهذا الزواج مفاسده أكثر من مصالحه، بل إن مفاسده تقضي على مصالحه.

وبناء على ما سبق أقول: إن الزواج العرفي الذي توافرت فيه جميع الشروط والأركان عقد صحيح ومحرم، وفاعله آثم عند الله.

 






المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحة Facebook بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع SaidaGate بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟

موقع بوابة صيدا يرحب بتعليقاتكم حول ما ينشره من مواضيع، اكتبوا بحرية وجرأة، فقط نأمل أن تلتزموا بأخلاقيات الكتابة وضوابطها المعروفة عالميا (تجنب الشتيمة والإساءة للأشخاص والأديان)

ملاحظات:

  • 1- إذا كنت عضوا في موقعنا وقمت بتسجيل الدخول فأنت لست بحاجة إلى إدخال إسمك ولا بريدك الإلكتروني.
  • 2- تعليقات أعضاء الموقع تظهر مباشرة بينما الزوار العاديين فإنها ستمرّ على صفحة الإدارة أولا.
* الإسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* عنوان التعليق
* نص التعليق
* التحقق الالكتروني
أرسل تعليقك

آخر الأخبار والتحديثات
إضغط للمزيد    




قسم الصوتيات







  • اتفاق على وقف إطلاق النار في المية ومية
  • بطاطا و البي يشعلان المية ومية.. اشتباكات عنيفة وقذائف صاروخية!
  • هذا ما طلبته وكيلة انتحاري الكوستا!
  • إطلاق نار وقذائف في مخيم المية ومية.. والسبب خلاف بين عنصرين من فتح وأنصار الله
  • بيان صادر عن فوج الإنقاذ الشعبي حول كيفية الوقاية من الكوارث الطبيعي
  • إطلاق المرحلة العملانية لمشروع صيدا بتعرف تفرز
  • المشنوق: لقاء باسيل المعلم اعتداء سياسي على رئاسة الحكومة وسنواجهه
  • اشكال في منطقة التعمير تخلله اطلاق نار
  • حزب الله يوقف رواتب العشرات من سرايا المقاومة لرفضهم القتال في سوريا
  • حزب الله يشيع اثنين من مقاتليه سقطا في سوريا
  • الرئيس بري يلتقي وفداً من الكوت ديفوار
  • مسلمون بلا حدود تستنكر مداهمة المخابرات لمنزل عالم في مجدل عنجر واعتقال شقيقه.. وتهدد بتحرك سلمي لوقف الاعتداءات
  • هل سمعتم بمقام الشيخ صالح في صيدا؟؟
  • سراي الأمير فخر الدين.. هل تعرفون موقعها في صيدا؟
  • جريج: لا أعتقد ان تكون المبررات الامنية وراء اقفال العربية
  • الفوضى الخلاقة شعار أميركي... بإدارة إيران وحزب الله
  • سليماني لـ القيصر: أنجدنا وإلا خسرنا معاً الأسد وسوريا!
  • النزول الروسي في سوريا يؤكد فشل الجنرال سليماني

قسم الفيديو
لبناني موقوف في الإمارات: تعرّضت لتعذيب وحشي


أخبار متفرقة
إذهب إلى أعلى الصفحة