زوار الموقع لهذا اليوم حتى الان: 59562 زائر     |     العدد الكلّي للزيارات 112924914 زيارة     |     اليوم الأكثر زيارات (2012-01-04): 202225 زائر
إنّ الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً
قسم المشاركات
موقع بوابة صيدا www.saidagate.net تمّ النشر في 2016-01-30 09:23:58 المشاهدين = 7818
بوابة صيدا - هل قصة المهدي حديث خرافة؟!
السبت 30 كانون الثاني / يناير 2016 الموافق 20 ربيع الثاني 1437هـ
بقلم الشيخ محمد فؤاد ضاهر / بوابة صيدا

 

يتعاقب الليل والنهار، ويتوالى بتعاقبهما الظلام والنور؛ فمن ظلمة يعقبها نور، ثم ظلمة ثم نور... إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

 

هذه حال المسلمين، والفتن لا تبرح تقع خلال بيوتهم كوقع المطر! وما من زمان يمر إلا الذي يليه شر منه، فإلى الله المشتكى وإليه المفزع...

 

والمسلمون في فلسطين والشام، والعراق وأفغانستان، ومصر والسودان، وبورما والصومال ولبنان... وحيثما وجهت وجهك قبل المشرق والمغرب، يعيشون في ظلام دامس، وفساد غامس.. قد تكالبت دول الاستكبار العالمي على الشرفاء والأحرار، ممن يأبون الركوع لغير الله، وما برحوا يرزخون تحت وطأة الظلم والظالم، والطغيان والطاغية، والاضطهاد والطاغوت... هؤلاء الذين يتاجرون بالدم الحرام والعرض الحرام.. يسلبون الشعوب خيراتها، والأمم مواردها ومقدراتها...

 

أما آن للحزب الواحد أن يرتدع، وللطاغوت أن يرعوي؛ فيكف يده، ويمسك عليه لسانه، ويمنع سطوته، ويأخذ على غلمانه؟!

 

هل من بريق أمل يرسم وجها جديدا؟

 

هل من بصيص نور يبدد حالك الظلام؟

 

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها " (١).

 

إنها (النبوءة) المحمدية، تتجدد، تحمل لنا أملا قادما، يشق طريقه بين هذا الظلام، وسيبرز - بإذن الله - نور وضياء يبددان وحشة الظلمة.

 

وبعد، تبشر هذي النبوءة بخلافة (أمير صالح)، ينزل (روح الله) في عهده، فيصلي الصبح فور نزوله وراءه. ويخرج (الدجال) في عصره!

 

عن أبي أمامة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "... وإمامهم رجل صالح... فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح، إذ نزل عليهم من السماء عيسى ابن مريم الصبح، عند المنارة البيضاء شرقي دمشق... فرجع ذلك الإمام ينكص - يمشي القهقرى - ليتقدم عيسى، فيقول: تعال صل لنا. فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: لا، أنت أحق، إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله لهذه الأمة، تقدم فصل؛ فإنها لك أقيمت. فيصلي بهم إمامهم"(٢).

 

يلاحظ من خلال هذا السياق - المضمومة إليه رواياته - أن ائتمام نبي الله عيسى بالرجل الصالح في الصلاة: حكم (معقول المعنى)، كشفت الرواية عن علته، وهي:

 

١- كي يعلم الأمة أنه نزل حاكما بشرع رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم لا بشرعه، فمتى ائتم بصلاة إمام الأمة؛ دل على أنه عامل بشريعة نبيه صلى الله عليه وسلم.

 

قال ابن الحوزي: "لو تقدم عيسى لوقع في النفس إشكال، أو لقيل: أتراه نائبا، أو مبتدئا شرعا؟ فيصلي مأموما لئلا يتدنس بغبار الشبهة" (٣).

 

بهذا فسره ابن أبي ذئب - راوي الحديث - في قوله صلى الله عليه وسلم: "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم (وفي رواية: وأمكم) (٤) منكم"(٥).

 

قال: تدري ما "أمكم منكم"؟

 

قلت: تخبرني.

 

قال: فأمكم بكتاب ربكم، وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم.

 

٢- تكريم الله لهذه الأمة؛ فهي آخر الأمم وأفضلهم (٦).

 

٣- وعمل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم: "... ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه" (٧).

 

وأنت خبير أن هذا الصنيع دال – عفوا - على جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مأموما في غير ما مورد.

 

لكن الحديث أعلاه ليس (نصا) في (المهدي)، إنما غايته: الدلالة على خلافة رجل صالح يقود الأمة نحو النصر...

 

ولا زال موضوع المهدي يلقى اهتماما ورواجا في الأوساط العلمية والشعبية على حد سواء. حتى اختلفت في تصوره وتعيينه الفرق الإسلامية. وألفت فيه الكتب والمصنفات... بين ثثلاث فئات:

 

1- مثبت لحقيقته

 

2- ومنكر

 

3- أو متردد.

 

والمثبتون منقسمون على أنفسهم: بين مغال في حقيقته وامتيازاته، ومتوسط في شأنه ودعوته ومهامه.

 

نلمس من ذلك أن الحديث عن المهدي (مترامي الأطراف)، ذو ثلاث شعب (٨):

 

١- فهو من جهة، يتعلق بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وتمحيص الروايات، وتحقيق الأسانيد، ودراسة المتون، والنظر في الرواة، لتمييز الصحيح من السقيم، في ضوء علم الرجال، وقواعد الجرح والتعديل، وعلم مصطلح الحديث.

 

٢- ومن جهة أخرى، يتصل بالعقائد والفرق، فعند كل نحلة من التفاصيل والتفريعات والشروح والتعيينات.. ما فرقت به جمع الملة، وشقت عصا الأمة، وكانت أدعى إلى نفيه عند البعض، خاصة لما رأوا أن الطائفة الواحدة انقسمت على نفسها طرائق، ليست إحداها بأولى من الحق والاتباع من سواها.

 

٣- وهو في الوقت عينه، يمس حركة التاريخ والعمران الإنساني، لرصد المحاولات المتكررة لدى بعض الأفراد والجماعات، الذين استغلوا هذه العقيدة، لنيل الشهرة وحظ النفس، والتسلط على الناس باسم الدين!!

 

أمام هذه التناقضات والمواقف المتباينة، يسأل المؤمن الغيور على عقيدته، ويتساءل المثقف الحريص على دينه:

 

هل ثبت الحديث عن المهدي؟ وهل هو عيسى ابن مريم؟ وهل من علامة فارقة تميزه عن أدعياء المهدية؟ وما مهمته..؟

 

سنحاول في هذا البحث الموجز، أن نجيب عن هذه التساؤلات وغيرها، بسياق علمي، متوخين الموضوعية، في سبيل إيصال الحقيقة لمبتغيها...

 

يقول المؤرخ الاجتماعي العلامة ابن خلدون (ت ٨٠٨ ﻫـ): "اعلم أن المشهور بين الكافة(٩) من أهل الإسلام، على ممر العصور، أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت، يؤيد الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى: المهدي. ويكون خروج الدجال وما بعده - من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح - على أثره"(١٠).

 

دل كلام ابن خلدون على عدة قضايا هامة تتصل بالمهدي مباشرة؛ تحدد بطاقته الشخصية، وترسم الدور الذي ينهض به، وتنبئ عن الحالة العامة التي تسيطر على المجتمع قبل خروجه.

 

لذلك، يمكننا أن نفصل الحديث عنه من خلال المواقف التالية:

 

١- إن حالة الفساد التي ستستشري في العالم، وتظهر بصور مغرقة في أوحال الدونية... في زمن تندثر فيه معالم الهدى والنور، ويندرس فيه أثر العدل والصلاح، فلا معين للمؤمن إلا رب العالمين...

 

ذلك كله، سبب موجب لشروق شمس الحياة من جديد، تعتلي صهوة القسط بالحق، وتتربع كرسي العدالة، وتتوسط المصلحة، سبيلا أقوم لحياة بشرية، تنعم بالرخاء والازدهار والأمن والبركة، بعد حقبة من الجور طالت أمدا بعيدا.

 

٢- تذكر هذه الحالة بالجاهلية الأولى، وعزوفها عن جادة الحق والصواب، وانهماكها في عبادة غير الله، وانغماسها في الشهوات والملذات، إلى حد خرجت فيه عن سنن الحياة الرشيدة... ما كان سببا داعيا للطف الإلهي والعدل السماوي، أن يبعث الله بالنبوة من جديد، ويرسل محمدا صلى الله عليه وسلم داعيا ومبشرا وسراجا منيرا.

 

وإذا كان ذلك كذلك، ناسب جدا أن يعيد الله بعث الحياة الرغيدة على طريق قويمة، باختيار رجل من نسل النبوة الطاهرة، ليقوم بما قام به جده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان المهدي.

 

يدل على هذا والذي قبله، قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلما وجورا وعدوانا. ثم يخرج رجل من (عترتي) - أو: من أهل بيتي- يملأها قسطا وعدلا، كما ملئت ظلما وجورا" (١١).

 

العدل كالغيث يحيي الأرض وابله

والظلم في الملك مثل النار في القصب

 

ومما يتعلق بهذا الجانب: تحديد اسمه ونسبه ولقبه... على الوجه الآتي:

 

أ) اسمه ونسبه: محمد بن عبد الله الحسني العلوي الفاطمي، سبط رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، القائل: "المهدي من عترتي، من ولد فاطمة" (١٢)، "يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي"(١٣).

 

وعن علي رضي الله عنه: أنه نظر إلى ابنه الحسن، فقال: " إن ابني هذا سيد، كما سماه النبي صلى الله عليه وسلم. وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم؛ يشبهه في الخلق - بضم الخاء واللام - ولا يشبهه في الخلق - بفتح الخاء وتسكين اللام -. يملأ الأرض عدلا" (١٤).

 

ب) في كونه من ولد الحسن رضي الله عنه سر لطيف، كشف عنه ابن القيم (١٥) وتابعه عليه غير واحد (١٦)، وهو: أن الحسن رضي الله عنه لما ترك الخلافة لله شفقة على الأمة؛ جعل الله القائم بالخلافة الحق، المتضمنة للعدل الذي يملأ الأرض - عند شدة الحاجة وامتلائها ظلما- من ولده.

 

وهذه سنة الله في خلقه: أن من ترك لأجله شيئا؛ أعطاه الله، أو أعطى ذريته، أفضل منه.

 

وما روي من كونه من ولد الحسين رضي الله عنه، فواه جدا.

 

ج) كونه مهديا يعني أنه مشتق من الفعل الثلاثي: (هدى)، فهو (المهدي)، أي: من تأصل فيه الخير والصلاح والهدى، لا بكسب منه، بل بتوفيق من الله وسوق إليه.

 

بخلاف ما لو كان مهتديا، أي من الفعل فوق الثلاثي: (اهتدى)، فهو (المهتدي) إلى الحق بعد أن لم يكن.

 

في ضوء هذا المعنى، يمكن أن نفهم قوله صلى الله عليه وسلم: "يصلحه الله في ليلة"(١٧)، أي: يهيئه للخلافة، ويوفقه إليها، ويلهمه رشده، ويرفع قدره، حيث يتفق على خلافته أهل الحل والعقد (١٨)، على نحو ما سيأتي معنا.

 

٣- يدل جزم قول ابن خلدون السابق: "أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور..."، على أنه لا شك في خروجه، ولا ريب في ظهوره، فهو محتم كائن لا محالة.

 

عن علي رضي الله عنه، عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لو لم يبق من الدهر إلا يوم؛ لبعث الله رجلا من أهل بيتي، يملؤها عدلا كما ملئت جورا " (١٩).

 

وفي السياق، عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "... لو لم يبق من الدنيا إلا يوم؛ لطول الله ذلك اليوم حتى يلي" (٢٠). ونحوه عن أبي هريرة رضي الله عنه (٢١).

 

يتعلق بهذا الجانب أمور عديدة، منها:

 

أ) تحديد مدة خلافته: جاء في النص أن المهدي إذا ولي أمور الرعية؛ حكم "سبعا، أو ثمانيا، فإن أكثر فتسعا" (٢٢).

 

ب) توصيف خلافته: تكون خلافة المهدي على (منهاج النبوة)، كما في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه (٢٣). لذلك تنعم الأرض في عهده بالرخاء، وتعود إليها بركتها.

 

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "... فيملؤها عدلا وقسطا، كما ملئت جورا وظلما. فلا تمنع السماء شيئا من قطرها، ولا الأرض شيئا من نباتها" (٢٤).

 

ويفيض المال لعدله وكرمه، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من خلفائكم: خليفة يحثو المال حثيا، ولا يعده عدا" (٢٥).

 

قال النووي: "هو الحفن باليدين... لكثرة الأموال والغنائم والفتوحات، مع سخاء نفسه" (٢٦).

 

وتكثر في عهده الماشية، وتعظم الأمة، كما في حديث أبي سعيد الخدري.

 

ج) قراءة في الفكر الاستغلالي: كانت لهذه البشريات النبوية آثار سياسية استغلالية، وأخرى فكرية عقائدية، فظهر على امتداد التاريخ الإسلامي، وفي مختلف أصقاع البلاد، أفراد حاولوا استغلال هذا الموقف الجليل والغرض النبيل، وأرادوا خلع هذا اللقب على أنفسهم، ولم يعدموا جماعات أو جهات سوغت لهم هذا الادعاء، وسولت لهم قبوله!

 

قال شوقي:

سخر الناس - وإن لم يعلموا -

لغوي أو قوي أو مبين

 

والجماعات مطايا المرتقي

للمعالي وجسور العابرين

 

وكانوا على فريقين:

 

- فريق أراد ذلك عن حسن نية، أملا أن ينالوا هذه المرتبة العلية.

 

- وفريق آخر أرادها عن سوء نية، طمعا في الوصول إلى السلطة والحكم، مهما كانت الأثمان!

 

وكلا الفريقين خائن لله، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وللأمة، وللحقيقة العلمية! فالنية الحسنة لا تصحح العمل الفاسد، فكيف بالسيئة منها؟! "وكم من مريد للخير لن يصيبه" (٢٧).

 

فكم من فتن طار شررها بتغرير العوام والسذج، حتى أريقت الدماء البريئة، وانتهكت الحرمات... نتيجة إفراط هؤلاء وتفريط أولئك، في ادعائهم حقا ليس لهم! كل ذلك تحت ستار الدين ونصرة آل البيت! حتى شهد التاريخ خلاف مهديين، أودت المهدية بحياة الآخر منهما، ذلك حين صرح محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب (النفس الزكية) (ت ١٤٥ ﻫـ) بمهديته لأمير المؤمنين أبي جعفر المنصور، فما كان من هذا الأخير إلا أن خلع بدوره لقب المهدي على ابنه محمد المهدي العباسي (ت ١٦٩ ﻫـ)، بعد أن تلقب هو نفسه بالمهدي! كي يحافظ على عرش المملكة (٢٨)، وليحارب المهدي بمهدي آخر (٢٩)، وكلاهما زائف!!

 

د) الوظيفة المنوطة به: المهدي يحث الشعوب، ويستنهض العزائم، ويحضر الأمة، ويجهز الجيوش، ويعيد الثقة بالنفوس، ويوطئ الأرض... حتى إذا نزل روح الله عيسى ابن مريم تمكن من محاربة المسيح الدجال، والقضاء على اليهود، وتمكين شرع الله على الأرض.

 

٤- بحكم المهدي تظهر آيات الساعة العظام وعلاماتها الكبار، وتتتابع بالظهور، عن عبد الله بن حوالة الأزدي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على رأسه، ثم قال: "يا ابن حوالة، إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المفدسة؛ فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام. والساعة يومئذ أقرب من الناس من يدي هذه إلى رأسك" (٣٠).

 

فينزل سيدنا عيسى ابن مريم، ويخرج الدجال، وتظهر الدابة، وتشرق الشمس من مغربها، ويفتح ردم يأجود ومأجوج...

 

٥- أمام هاتيك المعطيات، خاصة ما سجله التاريخ من حركة ادعاء المهدية، كيف يمكن (أن نقطع) بالمهدي الحق إذا بعث؟

 

فضلا عن سماته البارزة فيه، ومعرفة أهل العلم إياه، ثمة إشارة مميزة لا تخلف، من شأنها أن تفصل فيه لدى من قد يتردد في اتباعه، تكون له كعلامة فارقة، تثبت أنه المهدي الموعود المبشر به.

 

عن حفص بن غياث قال: قلت لسفيان الثوري (ت ١٦١ ﻫـ): يا أبا عبد الله، إن الناس قد أكثروا في المهدي، فما تقول فيه؟ قال: "إن مر على بابك، فلا تكن منه في شيء، حتى يجتمع الناس عليه" (٣١).

 

تظهر على المهدي علاماته، فيتبعه أهل المدينة، فيفر إلى مكة، هناك "يبايع ما بين الركن والمقام" (٣٢).

 

عند ذلك، يسمع به الناس، فيجهز أهل الشام لمحاربته جيشا، عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يعوذ عاذ بالبيت، فيبعث إليه بعث، فإذا كانوا ببيداء من الأرض؛ خسف بهم" (٣٣).

 

عندئذ يتسامع الناس بهذا النبأ، فيأتيه أبدال الشام وعصائب أهل العراق، فيبايعونه بين الركن والمقام، ويعلنه أهل الحق خليفة عليهم (٣٤).

 

٦- إن الاعتقاد بظهور المهدي يدعونا إلى العمل والجد فيه، ويمنع من التواكل، وإلا "فماذا عسى أن يفعل المهدي لو خرج اليوم؛ فوجد المسلمين شيعا وأحزابا، لما استطاع أن يقيم دولة الإسلام، إلا بعد أن يوحد كلمتهم، ويجمعهم في صف واحد، وتحت راية واحدة. وهذا بلا شك، يحتاج إلى زمن مديد، الله أعلم به.

 

فالشرع والعقل يقضيان أن يقوم بهذا الواجب المخلصون من المسلمين، حتى إذا خرج المهدي لم يكن بحاجة إلا أن يقودهم إلى النصر" (٣٥).

 

عن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "... ولا تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله؛ لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله" (٣٦).

 

"فلا يخلو عصر من العصور من إقامة شرع الله. والمهدي ما هو إلا حلقة في أواخر سلسلة طويلة، ينصر الله به - في زمنه - دينه" (٣٧).

 

قال الله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وءاخرين من دونهم لا تعلمونهم، الله يعلمهم} (٣٨).

 

٧- هذه هي بكل وضوح حقيقة المهدي عند المسلمين، بحسب ما نطقت بها الأحاديث النبوية الثابتة، دون مزايدات، بعيدا عن الحكايات والتخرصات، وفي منأى عن التراث الشعبي المتناقل، حيث ابتليت الأمة برواج لسوق الأخبار الضعيفة والموضوعة والمنكرة، ثم المبادرة إلى الاعتقاد بمضمونها والعمل بها وعقد الولاء والبراء عليها، قبل التحقق من صحتها!

 

فالواجب على أهل العلم: بذل النصح في تعليم الناس صحيح السنة، وتحذيرهم من الغث والسمين في الروايات المتهافتة والمكذوبة، التي لم تأت إلا بالويلات على الأمة، حتى زرعت فيها النزاع والشقاق!!

 

٨- يقول العلامة محمد بن أحمد السفاريني (ت ١١٨٨ ﻫـ) في بيان الموقف من قضية المهدي: "والصواب الذي عليه أهل الحق: أن المهدي غير عيسى، وأنه يخرج قبل نزول عيسى. وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حد (التواتر المعنوي) (٣٩)، وشاع ذلك بين علماء السنة، حتى عد من (معتقداتهم).

 

وقد روي عمن ذكر من الصحابة، وغير من ذكر عنهم بروايات متعددة، وعن التابعين من بعدهم، ما يفد مجموعه (العلم القطعي).

 

فالإيمان بخروج المهدي واجب، كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة" (٤٠).

 

٩- إن الإيمان بعقيدة المهدي تحمل في طياتها معاني الإسلام الشمولي، التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في العهد المكي وأكدها في عهده المدني؛ من الرحمة بالخلق، والإحسان إليهم، والهدى، والتقى، والإيمان، ووحدة الصف، وجمع شمل الأمة، وتوحيد الكلمة، ومد جسور الألفة والتعاون، ونصرة الملهوف، ورد العدوان، ودفع الصائل، ورفع الظلم والطغيان. والعمل على رفع الحقد والبغضاء وسوء ذات البين وقطيعة الرحم، والنظر إلى الناس نظرة رحمة وشفقة وحرص ومحبة، والتعاون على الخير والصالح العام، والقضاء على أسباب الخلاف والتقليل منها، وبث روح النصر والعزة والتمكين.

 

الإيمان بالمهدي يعني توجيه البوصلة نحو القبلة الأولى رابطة الأرض بالسماء، مئرز الإيمان، والعمل حثيثا بكل جدية ويقين على تحرير أرض فلسطين، وتوحيد الجهود من أجل طرد الاحتلال القابع الغاشم... نصرة للمستضعفين، وإحياء لثورة الإصلاح في الدين. قال الله تعال: {واتبعوه لعلكم تهتدون}(٤١).

 

١٠- أخيرا، لا بد أن نركز في عقيدتنا بإمام آخر الزمان، على قضية جوهرية غاية في الدقة، تعتبر مفصلا خطيرا في طبيعة المهدي الذي بشر به الرسول صلى الله عليه وسلم، لجهة كونه لا يتمحور حول إثبات ذاته، وبيان مهديته للآخرين، فضلا عن دعوتهم إلى الاعتراف به، في الوقت الذي يكاد لا يعرف فيه نفسه، لأن الله تعالى يصلحه في ليلة.

 

ذلك أن الطبيعة المهدوية تختلف عن الطبيعة النبوية، لجهة كون المهدية (حركة تجديدية) بالنص المتقدم سابقا؛ لذا، فقد لا يعرف المرشح لهذه الغاية أنه هو المهدي الموعود نفسه (٤٢)!

 

إنما يعرفه المؤمنون بالصفات الخلقية والخلقية (٤٣). فهو "رجل من عترتي"، "رجل منا"، "خليفة من خلفائكم"، "أميرهم المهدي"، "إمامهم رجل صالح". "أجلى الجبهة، أقنى الأنف" (٤٤)، أي: واسع الجبهة، قد انحسر شعره عن مقدم رأسه. طويل الأنف، دقيق الأرنبة مع حدب في الوسط (٤٥).

 

إذا، فالمهدي رجل عادي جدا، تلفت سيرته وإنجازاته العملية الواقعية في خدمة الدين والأمة (٤٦)، إلى أنه لا يعدو أن يكون إماما من أئمة المسلمين، يولد في آخر الزمان.

 

لذا، وجب نبذ تلك الصورة الأسطورية التي خلعت على المهدي ورسالته. وأن نقتصر على الصورة الواقعية لشخصية كريمة، تليق بسيد من سادات آل البيت الأطهار، دون غلو أو إجحاف، على الوجه الذي أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، دون زيادة أو نقصان.

 

فيا أحرار العالم.. أيها العقلاء والمثقفون.. أوقفوا خرافة المهدي المنتظر الموهوم.. واعملوا على وحدة أمتكم، وجمع شملها.. وإياكم والغلو في الدين.. وزنوا الأشياء بزنة الحق.

 

فهل من مدكر...؟

 

----------------------

(١) الصحيحة: ٥٩٩ .

(٢) مسند الحارث بن أبي أسامة. أخبار المهدي لأبي نعيم بسند متصل رجاله ثقات، وجوده ابن القيم، المنار المنيف ص: ١٤٧-١٤٨ . وينظر: الألباني، قصة المسيح الدجال، ص: ١٤٢-١٤٣ .

(٣) نقله الحافظ في فتح الباري: ٦/٦١١ .

(٤) مسلم: ٢٤٥ ، ٢٤٦/١٥٥ .

(٥) البخاري: ٣٤٤٩ . مسلم: ٢٤٤/١٥٥ .

(٦) آل عمران: ١١٠ .

(٧) مسلم: ٦٧٣ .

(٨) البتسوي، المهدي المنتظر في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة، ص: ١٥.

(٩) لا بد في هذا المورد أن نسجل تحفظنا على كلام ابن خلدون لجهة تصديره بقوله: "المشهور بين الكافة"، ما يوحي أن له موقفا آخر مغايرا لهذا المشهور ! بقرينة تصريحه في وصف أشراط الساعة بأنها ثابتة في الصحيح.

ألمح ابن خلدون بهذا التباين إلى نفي عقيدة المهدي، فهو يضعف الروايات الواردة فيه!

وقد فند النقاد موقفه، وبينوا صحة الروايات التي انتقدها.

والحقيقة أن ابن خلدون كان مترددا في المهدي غير جازم بموقف، فاعترف بسلامة بعض أحاديثه من النقد، فقال: "وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلا القليل والأقل منه".

(١٠) المقدمة، ص: ٥٥٥ .

(١١) الصحيحة: ١٥٢٩ .

(١٢) جود الألباني سنده لشواهده الكثيرة، الضعيفة: ١/١٨١/٨٠ .

(١٣) حسنه الألباني، هداية الرواة: ٥٣٨٠ .

(١٤) الضعيفة: ١٣/١٠٩٦-١٠٩٧ .

(١٥) المنار المنيف.

(١٦) السمهودي (ت ٩١١ ﻫـ) نقله عنه الشيخ عبد المحسن العباد، عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر، ص: ١٤٤ . وابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤ ﻫـ)، ينظر: المناوي، فيض القدير: ١/٣٦٣.

(١٧) الصحيحة: ٢٣٧١ .

(١٨) مرقاة المفاتيح: ٥/١٨٠ .

(١٩) أحمد: ٣٥٧١-٣٥٧٢ ، وصححه أحمد شاكر. أبو داود: ٤٢٨٢ . الترمذي: ٢٢٣١-٢٢٣٢ ، وقال: حسن صحيح. وصححه ابن تيمية في منهاج السنة: ٨/٢٥٤ . صحيح الجامع: ٥٣٠٥ .

(٢٠) الصحيحة: ١٥٢٩ .

(٢١) ابن حبان: ٥٩٥٣ ، وصححه الألباني.

(٢٢) الصحيحة: ١٥٢٩ .

(٢٣) الصحيحة: ٥.

(٢٤) الصحيحة: ٧١١ .

(٢٥) مسلم: ٢٩١٤ .

(٢٦) شرح صحيح مسلم: ١٨/٣٩-٤٠ .

(٢٧) الصحيحة: ٢٠٠٥ .

(٢٨) منهاج السنة: ٢/١٣٢ . البداية والنهاية: ١٠/٨٤ .

(٢٩) البستوي، مرجع سابق، ص: ٩١.

(٣٠) صحيح أبي داود- الأم: ٢٢٨٦ .

(٣١) حلية الأوليا: ٧/٣١ .

(٣٢) الصحيحة: ٥٧٩ .

(٣٣) مسلم: ٢٨٨٢ .

(٣٤) الضعيفة: ١٩٦٥ .

(٣٥) الصحيحة: ٤/٤٢-٤٣/١٥٢٩ .

(٣٦) البخاري: ٧١. مسلم: ١٧٤/١٠٣٧ بعد الحديث ١٩٢٣ .

(٣٧) عبد المحسن العباد، مرجع سابق.

(٣٨) سورة الأنفال: ٦٠.

(٣٩) استوعب أحاديث المهدي: د.البستوي، مرجع سابق.

(٤٠) لوائح الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية: ٢/٨٠ .

(٤١) الأعراف: ١٥٨ .

(٤٢) د. عبد الودود شلبي، الأصول الفكرية لحركة المهدي السوداني ودعوته، ص: ٢٣٨ .

(٤٣) حمد التويجري، الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر، ص:٣٠٢ .

(٤٤) حسنه في هداية الرواة: ٥٣٨٢ .

(٤٥) النهاية لابن الأثير. وقال القاري: "والمراد: أنه لم يكن أفطس؛ فإنه مكروه الهيئة"، مرقاة المفاتيح: ٥/١٨٠ .

(٤٦) د. محمد إسماعيل المقدم، المهدي وفقه أشراط الساعة، ص:٥٧٧ .

 




المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحة Facebook بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع SaidaGate بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟

موقع بوابة صيدا يرحب بتعليقاتكم حول ما ينشره من مواضيع، اكتبوا بحرية وجرأة، فقط نأمل أن تلتزموا بأخلاقيات الكتابة وضوابطها المعروفة عالميا (تجنب الشتيمة والإساءة للأشخاص والأديان)

ملاحظات:

  • 1- إذا كنت عضوا في موقعنا وقمت بتسجيل الدخول فأنت لست بحاجة إلى إدخال إسمك ولا بريدك الإلكتروني.
  • 2- تعليقات أعضاء الموقع تظهر مباشرة بينما الزوار العاديين فإنها ستمرّ على صفحة الإدارة أولا.
* الإسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* عنوان التعليق
* نص التعليق
* التحقق الالكتروني
أرسل تعليقك

آخر الأخبار والتحديثات
إضغط للمزيد    




قسم الصوتيات

كيف إلك نفس وإلك جلد تسمي هالفوضى بلد






  • سفير الصين التقى الحريري في مجدليون: نتطلع الى مزيد من التعاون مع مدينة صيدا لتحقيق مصلحة الجانبين
  • بالصور.. لغز مسنة عُثر بشقتها على مقبرة قطط مذبوحة
  • بسبب الهوية اللبنانية... إنتحر!
  • بالفيديو: في مدرسة لبنانية.. كل الطلاب في الصف نفس الإسم!
  • دريان: العالم الإسلامي يواجه تحديات غير مسبوقة في تاريخه الحديث من مظاهرها ارتفاع موجة العداء للاسلام لربطه ظلما بالإرهاب
  • تطيير زيارة مدير عام الاونروا الى حي الطيرة..
  • المرعبي: حزب الله نجح في فرط 14 آذار
  • جيش الثوار يدعمه الأحرار.. في عائشة بكار
  • خطبة عيد الفطر لمفتي صيدا وأقضيتها الشيخ سليم سوسان لعام 1437هـ / 2016م
  • مجموعة خُراسان تهديد سوري آخر يُقلق الولايات المتحدة
  • بالصور: استمرار قطع الشارع الفوقاني في مخيم عين الحلوة.. حتى تحقيق المطالب
  • حمود طلب فتح تحقيق بتهديد الاب علاوي
  • هل سمعتم بمقام الشيخ صالح في صيدا؟؟
  • سراي الأمير فخر الدين.. هل تعرفون موقعها في صيدا؟
  • جريج: لا أعتقد ان تكون المبررات الامنية وراء اقفال العربية
  • الفوضى الخلاقة شعار أميركي... بإدارة إيران وحزب الله
  • سليماني لـ القيصر: أنجدنا وإلا خسرنا معاً الأسد وسوريا!
  • النزول الروسي في سوريا يؤكد فشل الجنرال سليماني

قسم الفيديو
رد فعل طفلة سافر والدها وتركها مع والدتها


أخبار متفرقة
إذهب إلى أعلى الصفحة