زوار الموقع لهذا اليوم حتى الان: 69878 زائر     |     العدد الكلّي للزيارات 103524693 زيارة     |     اليوم الأكثر زيارات (2012-01-04): 202225 زائر
إنّ الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً
قسم المشاركات
موقع بوابة صيدا www.saidagate.net تمّ النشر في 2012-12-18 17:36:50 المشاهدين = 12519
بوابة صيدا - إلجام الأصاغر عن انتحال عمل الأكابر
 بقلم الشيخ محمد حسن العيساوي

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين، وإمام العلماء الراسخين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبع هداهم واقتفى آثارهم إلى يوم الدين وبعد:

 

فلقد كان من رحمة الله بعباده، أن قيض لهم في كل عصر ومصر، جهابذ من الأئمة الراسخين، والعلماء المستبصرين، يجهدون في إرشاد الأمة، ونصيحة جموع الملة، وبث علوم الشريعة المطهرة، وأصول السنة المعظمة، واستباط أحكام النوازل المستجدة المهمة، والخطوب الطارئة المدلهمة..

 

ولقد كان من قدر الله النافذ، أن أتى على الأمة ضروب من مستجدات التغيير والإصلاح، وصنوف المحنة والابتلاء، مما استوجب على أهل العلم والاختصاص البيان والبلاغ، نصحاً للأمة وإبراءً للذمة، فقاموا بحول الله بالأمر خير قيام، بين مقل ومستكثر، ومُجملٍ ومفصِّل، والكل على خير ان شاء الله..

 

ولقد كانت هذه الفتاوى والتقريرات العلمية، تتعلق في غالبها في مسائل الحاكمية والسياسة الشرعية، ونوازل المستجدات السيادية والاقتصادية والعلاقات الدولية، وهي بلا شك من أرفع مسائل العلم ومباحثه، وأعمق قضايا الفقه ونوازله، لا تسلس قيادها إلا للراسخين، ولا تسلم زمامها إلا للفحول المجتهدين..

 

قال صاحب "شرح مختصر الروضة" في شرح قوله تعالى: " وكل شيء فصلناه تفصيلا " [الإسراء: 12]: "هذه قضية عامة تتناول الأحكام الشرعية، لأنها أشياء، فتقتضي أنها مفصلة في الشرع، ثم إنا نرى كثيرا من الأحكام غير مفصل، لا في كتاب الله، ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا في كلام الأئمة، إذ قد تقع حوادث غرائب، ليس لهم فيها كلام، فدل على أن الله سبحانه وتعالى، أحال بالتفصيل على مجتهدي كل عصر.."

 

ولقد كان من قدر الله ومحنته لأهل الرسوخ والريادة، وذوي البصيرة والهداية، أن امتحنهم بصنوف من المتمجهدين الصغار، والمتهوكين الأغمار، أنصاف المتعلمين وأشباه العامة، ممن تزبب قبل أن يتحصرم، ورام أن يطير ولما يريش، فزعموا الريادة العلمية، وتسلقوا المقامات العلية، وولجوا فيها خلسة على حين غفلة من أهلها، فزعموا الغبش في الواضحات، ومارسوا المشاغبة على البدهيات ومدافعة المسلَّمات، فصاروا يهرفون بما لا يعرفون، فوقعت البلية وعظمت الرزية!

 

إذ من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب، وخلص الى الغرائب، ولو عرف مقامه لأعطى القوس باريها، ولقنع بمشتهر متون الفروع يحل أحاجيها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

وقد ثبت في الحديث في مسند أحمد وغيره: إنها ستأتي على الناس سنون خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة»

 

قيل: وما الرويبضة يا رسول الله؟

 

قال: السفيه يتكلم في أمر العامة

 

قال العلامة النظَّار أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله: " قلما تقع المخالفة من المتأخرين لعمل المتقدمين إلا ممن أدخل نفسه في أهل الاجتهاد غلطاً أو مغالطة"

 

وقال العلامة ابن حزم رحمه الله: لا آفة على العلوم وأهلها، أضر من الدخلاء فيها، وهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون، ويظنون أنهم يعلمون، ويفسدون ويقدِّرون أنهم يصلحون".

 

ومن العجيب المعجب والغريب المطرب، أن أولئك الصغار، والمتفيهقة الأغمار، ما اكتفوا بتعالمهم وتمجهدهم، بل عمدوا إلى الكبراء من أساطين العلم وفضلاء الأمة، ودعاة العدل والوسطية ونبلاء الملة، يرمونهم عن قوس واحدة، بتهم فظيعة، وفرى ممجوجة شنيعة، فإن وجدوا أحدهم يحاور بعض الساسة رموه بالعمالة والخيانة، وإن رأوه يفتي بتحمل صغير المفاسد درءاً لأعلاها قاءوا بالقبح والبذاءة، وإن صدع بالحق ولهج بالأمر والنهي وصموه بإعمال القول دون العمل ـ إذ العمل المعتبر عندهم ضروب من الخفة والطيش والتهور ـ، وإن اتقى بعض سطوة الظالمين سلقوه بألسنة حداد ووصفوه بالجبن والخذلان، وإن أعجزهم النكير عليه أمام الملأ حركوا أفواههم وعيونهم همزاً ولمزا في منظومة سوء خلقٍ من التطاول والسفاهة وهدم الكبراء لا تعد ولا تحصى..         

 

وتجد الأكابر النبلاء في تلك المحن، يسمعون جرح الأغمار أولئك وقذفهم، فيعرضون عنهم، بتبصر وتأمل، وتصبر وتحمل، لسان حال واحدهم يردد قول أبي الطيب معزياً نفسه:

 

أفي كِلّ يوم تحت ضبِنْي شويعرُ *** ضعيفُ يقاويني قصيرُ يُطاولُ

 

لساني بِنطقي صامتُ عنه عادلُ *** وقلبي بصمتي ضاحك منه هازل

 

وأتعب من ناداكَ من لا تُجيبه *** وأغيظُ من عاداك من لا تُشاكل و

 

ما التيهُ طبعي فيهمُ غيرَ أنني *** بغيضُ إليَّ الجاهلُ المتعاقل

 

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: " فرحم الله من أساء الظن بنفسه علماً وعملاً وحالا، وأحسن الظن بمن سلف، وعرف من نفسه نقصا، ومن السلف كمالا، ولم يهجم على أئمة الدين..

 

وإن أنت أبيت النصيحة، وصار شغلك الرد على أئمة المسلمين، والتفتيش عن عيوب أئمة الدين، فإنك لا تزداد لنفسك إلا عجبا، ولا لطلب العلو في الأرض إلا حبا، وعن الحق إلا بعدا، ومن الباطل إلا قربا" وعليه فثمة نصائح ومواعظ لأولئك المفتونين تتلخص في عدة أصول أهمها:

 

1- أن يحجموا عن التصدر والافتاء والتوجيه والتنظير في مسائل النوازل والمستجدات سيما مسائل السياسة الشرعية الشائكة تاركين الكلام في هذه المقامات لأهلها من العلماء المجتهدين والفضلاء المتخصصين..

 

قال الخطابي رحمه الله في شرحه للحديث: " إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران.. الحديث قال: .. وهذا فيمن كان من المجتهدين جامعاً لآلة الاجتهاد عارفاً بالأصول وبوجوه القياس. فأما من لم يكن محلاً للاجتهاد فهو متكلف ولا يعذر بالخطأ في الحكم بل يخاف عليه أعظم الوزر"

 

قال الحافظ ابن حجر: " لو أقدم فحكم أو أفتى بغير علم لحقه الإثم..

 

قال ابن المنذر وانما يؤجر الحاكم إذا أخطأ إذا كان عالما بالاجتهاد فاجتهد وأما إذا لم يكن عالما فلا"

 

2- أن يلتزموا الأصول الشرعية في إحسان الظن بالكبراء من جهة تحريم النيل من أعراضهم، والإعراض عن قذفهم بقالة السوء، والإحجام عن تنفير الناس عنهم وإشاعة الفرى عليهم وبثها وتوظيف سوء الظن وظن السوء بشبه عليلة، وتعلات متوهمة سقيمة، إذ الأصل بناء حال كل مسلم ـ بله الكبراء ـ على السلامة ولا يُخرجُ عن هذا إلا بدليل قاطع واضح كالشمس في رابعة النهار..

 

3-الاقلاع عن مسلك الخسة والدناءة المتمثل في جعل الكبراء تحت مطارق النقد وقوارع التصنيف من جهة تصيد زلاتهم واللهج بها واتخاذها ديناً وديدنا..

 

وقد ساق الحافظ ابن عبد البر بسنده عن زياد بن أبي سفيان قوله: أيها الناس إني بُتُ ليلتي هذه مُهتماً بخلالٍ ثلاث رأيت أن أتقدم إليكم فيهن بالنصيحة: رأيت إعظام ذوي الشرف، وإجلال ذوي العلم، وتوقير ذوي الأسنان. والله لا أوتى برجل رد على ذي علم ليضع بذلك منــه إلا عاقبته... إلى أن قال: إنما الناس بأعلامهم، وعلمائهم، وذوي أسنانهم "

 

وأما من جُرح وقُذف من الدعاة النجباء، أو تُعُدِّي على مقامه الكريم من الكبراء الفضلاء، فآلمه أثر الجرح والاعتداء فأسوق له ـ تعزية لجانبه وتسلية لخاطره ـ نصائح العلامة الجهبذ بكر أبو زيد رحمه الله في قوله: "

 

1- استمسك بما أنت عليه من الحق المبين من أنوار الوحيين الشريفين وسلوك جادة السلف الصالحين، ولا يحركك تهيج المرجفين، وتباين أقوالهم فيك عن موقعك فتضل. وخذ هذه الشذرة عن الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى: قال:الذين رووا عن أبي حنيفة، ووثقوه وأثنوا عليه أكثر من الذين تكلموا فيه.. وكان يقال: يستدل على نباهة الرجل من الماضين بتباين الناس فيه. قالوا:ألا ترى إلى علي بن أبي طالب أنه هلك فيه فتيان: محبٌ أفرط، ومبغضٌ أفرط، وقد جاء في الحديث: أنه يهلك فيه رجلان: محب مطر، ومبغض مفتر.       وهذه صفة أهل النباهة، ومن بلغ في الدين الفضل والغاية والله أعلم.ا.هـ كلام الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى

 

2- لا تبتئس بما يقولون، ولا تحزن بما يفعلون، وخذ بوصية الله سبحانه لعبده ونبيه نوح عليه السلام " وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون " [هود 31]    ومن بعد أوصى بها يوسف عليه السلام أخاه " قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون " [يوسف69]

 

3- ولا يثنك هذا الإرجاف عن موقفك الحق، وأنت داع إلى الله على بصيرة فالثبات الثبات متوكلاً على مولاك ـ والله يتولى الصالحين ـ قال الله تعالى: " فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائقٌ به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل " [هود12] 

 

 4- ليكن في سيرتك وسريرتك من النقاء، والصفاء والشفقة على الخلق، ما يحملك على استيعاب الآخرين، وكظم الغيظ، والإعراض عن عرض من وقع فيك، ولا تشغل نفسك بذكره، واستعمل: العزلة الشعورية. فهذا غاية في نبل النفس، وصفاء المعدن، وخلق المسلم. وأنت بهذا كأنما تُسِفُّ الظَّالم المل. والأمور مرهونة بحقائقها، وأما الزبد فيذهب جفاء."ا.هـ كلامه وهو نفيس جدا

 

وفيما سبق نصائح وزواجر، لكل من أصابه الشيطان بطائف، فما تذكر وما استبصر، وهو في حق بعض المتطاولين المتعالمن تعريض، إذ لا ينتهض شأنهم لإعمال التصريح.. وعليه: فإن نظروا في أمرهم، وثابوا إلى رشدهم، فقد وطئوا سهلا، وحلّوا في أمتهم أهلا، وإن لجّوا وكابروا، وقذفوا وعاندوا، فالواجب على الكبراء آنذاك: " إعمال أحكام الشريعة الغراء: بمنع عدوى الغلو عن الأصحاء، وإنزال أدب القضاء، في كل من سفه ولغا"....

 

والحمد لله رب العالمين

 




المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحة Facebook بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع SaidaGate بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟

موقع بوابة صيدا يرحب بتعليقاتكم حول ما ينشره من مواضيع، اكتبوا بحرية وجرأة، فقط نأمل أن تلتزموا بأخلاقيات الكتابة وضوابطها المعروفة عالميا (تجنب الشتيمة والإساءة للأشخاص والأديان)

ملاحظات:

  • 1- إذا كنت عضوا في موقعنا وقمت بتسجيل الدخول فأنت لست بحاجة إلى إدخال إسمك ولا بريدك الإلكتروني.
  • 2- تعليقات أعضاء الموقع تظهر مباشرة بينما الزوار العاديين فإنها ستمرّ على صفحة الإدارة أولا.
* الإسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* عنوان التعليق
* نص التعليق
* التحقق الالكتروني
أرسل تعليقك

آخر الأخبار والتحديثات
إضغط للمزيد    




قسم الصوتيات

كيف إلك نفس وإلك جلد تسمي هالفوضى بلد






  • دار الفتوى: السبت أول أيام شهر رمضان المبارك
  • رمضان 2017 على الابواب مش هتقدر تغمض عينيك: رمضان بين المفروض والافتراضي
  • فريق الندوة يفوز ببطولة لبنان للسيدات في كرة الطاولة.. واللاعبة الصيداوية هانم جمعة إلى الصين لتمثيل لبنان
  • المفتي دريان حدد صدقة الفطر وفدية العجز عن الصيام في رمضان
  • شاب يقفز من أعلى نقطة في الروشة من ارتفاع حوالى 35 مترا
  • مقالة علمية: جولة دونالد ترامب في المنطقة العربية وانعكاساتها المستقبلية
  • الشيخ خضر الكبش : لن نقبل أن تكون صيدا ساحة يرتع بها الأمريكي
  • صيدا: تأجيل جلسة البتّ بقضية حشيشو
  • مجلس علماء فلسطين في لبنان يدين العدوان الصهيوني على غزة ويطالب بوقفه على الفور
  • سارة اسكندراني وفرح جبيلي ورنيم نجم ونور الخليلي
  • القوى الامنية اتخذت اجراءات لحماية المطاعم الاميركية في صيدا
  • مدرسة تحظر الأحذية
  • سراي الأمير فخر الدين.. هل تعرفون موقعها في صيدا؟
  • جريج: لا أعتقد ان تكون المبررات الامنية وراء اقفال العربية
  • الفوضى الخلاقة شعار أميركي... بإدارة إيران وحزب الله
  • سليماني لـ القيصر: أنجدنا وإلا خسرنا معاً الأسد وسوريا!
  • النزول الروسي في سوريا يؤكد فشل الجنرال سليماني
  • نوح زعيتر.. جرعة زائدة لـ حزب الله في الزبداني

قسم الفيديو
النائب عقاب صقر: حسن نصرالله حاصر إخوانه الثلاثة وعذبهم وقصف الحي الذي كنت أسكن فيه


أخبار متفرقة
إذهب إلى أعلى الصفحة