زوار الموقع لهذا اليوم حتى الان: 54781 زائر     |     العدد الكلّي للزيارات 117620462 زيارة     |     اليوم الأكثر زيارات (2012-01-04): 202225 زائر
إنّ الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً
قسم المشاركات
موقع بوابة صيدا www.saidagate.net تمّ النشر في 2012-09-16 06:00:10 المشاهدين = 17869
بوابة صيدا - العاطفة المستبصرة / بقلم الشيخ محمد العيساوي

بقلم الشيخ محمد العيساوي / موقع saidagate.net

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام العلماء العاملين، وقائد المجاهدين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وبعد: فقد شاء الله تبارك وتعالى بقدرته القاهرة، وحكمته الباهرة، أن يخلق الناس على أمزجة متنوعة ومشارب متعددة، وعقول متفاوتة وطبائع متباينة، وأرزاقٍ مكتوبة وحظوظٍ مقسومة، على حد تعبير صاحب "نفح الطيب" العلامة المقّري رحمه الله:

سبحان من قسم الحظو... ظ فلا عتاب ولا ملامه

أعمى وأعشى ثم ذو ... بصر وزرقاء اليمامه

ومسدد أو جائر... أو حائر يشكو ظلامه

لولا استقامة من هدا... ه لما تبينت العلامه

وقد كان من حكمته سبحانه أن جعل للعمر والتجربة دوراً مهماً في تهذيب نوازع الطبيعة البشرية وصقلها، وإزكاء رشدها، فكان من بلغ الحلم وارتقى سن الشباب يعيش في الغالب حالات تنتابها نوازع عواطف جياشة، تفتقر في كثير من الأحايين إلى تجارب الحياة ومدلهماتها، وأما من بلغ سن الرجولة وخاض التجارب، فيميل في الغالب إلى التفكر والتعقل، والتروي والموازنة واعتبار مآلات الأمور .. وبين هاتين المرحلتين، تتزاحم قوى العاطفة والعقل، والحداثة والتجربة، لتلقي بأعباءٍ ثقال على ساحة العمل الإسلامي وجماعاته العاملة.

ومما لا شك فيه أن عنصر الشباب، هو الركن الركين في تحمل همِّ الدين ودعوته، وتمتينه ونصرته، وقد كتب التاريخ بمدادٍ من نور كيف كان شباب الإسلام يبارزون الكفر ويصاولونه، ويذودون عن حوض الشريعة ويحمونه، كلما سمعوا هيعة طاروا إليها، أو دهمتهم أمواج الحتوف ركبوا عليها، في مواقع استبسال فريدة، ومواطن إقدامٍ عجيبة، بثبات دين ورسوخ يقين، لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يبالون بالموت أوقع عليهم أم وقعوا عليه..

شباب في ظلال الوحي عاشوا *** وفي ظل الصوارم والرماح

وعافوا أن تظللهم طمور *** عليها وضحة الكفر البواح

أذان الفجر أيقظهم شموسا *** فهبَّ القوم للصوت الرياحي

بهم سيعود للإسلام مجد *** يضيء الكون بالحق الصراح

وورد من رحيق الوحي أشهى *** إلى الظمآن من ماء قراح

وفي الوقت نفسه كانت حكمة العلماء، وحنكة المجربين والفطناء، صمامَ أمان للصحوة الإسلامية المعاصرة، تعصمها من موارد الشبهات والشهوات، ومراكب الجهل والهيشات، وذلك بما آتاهم الله من نور البصيرة والهداية، وسبق التجربة وعمق الدراية، وعلم راسخ في أصول الشريعة وقواعدها، ومراعاة المصالح والمفاسد وضوابطها، وفقه تزاحم الموازانات واعتبار مآلات الأمور، وفهم الواقع وتنزيل الأحكام الشرعية عليه، في مقامات اجتهاد دقيقة في فقه السياسة الشرعية.. وإنما يكون نصر الدين باجتماع كلا الأمرين وتلازمهما، بتلازم عاطفة شبابٍ جياشة ملتهبة، تقوم على الإخلاص والاتباع وبذل النفس في رضاء الله، مع حكمة مستبصرة بنور الله يبذلها العلماء والدعاة والكبراء الصالحون..

إنها العاطفة الشرعية المستبصرة.. إنها العاطفة الجياشة التي تستضيء بالشرع لا بالانفعالات الطائشة، هي عواطف رأس الحماسة في شباب الصحابة عبد الله بن الزبير يوم قال لأمير المؤمنين عثمان يوم حاصره المارقون في الدار: إنا معك، عصابة مستبصرة على الحق ينصر الله بأقل منها "

إنها عاطفة خبيب المنضبطة بحدود الشرع مثَّلها وقت محنته، لما طلب من حارسته الموس ليقوم بسنة الاستحداد قبل وفاته، فبعثتها حارسته المشركة على غفلة مع صبيها الصغير، ثم وجدت خبيباً يحمل الموس ويلاعب طفلها، فارتعدت وظنت خبيباً ذابحه بها منتقماً منهم قبل استشهاده، فقال لها خبيب مهدئاً روعها وهو في أشد محنته: أوتظنين أن أفعل ذلك؟ والله ما كنت لأفعل ذلك!!

إنها عاطفة العباس بن عبادة المنضبطة بالسمع والطاعة ولو على المكره، لما التهب وقت البيعة حماسةً، فقال للنبي القائد صلى الله عليه وسلم: لو شئت لنميلن على المشركين بأسيافنا، فنهاه القائد صلى الله عليه وسلم قائلاً له:لم نؤمر بعد بذلك. فالتزم العباس فقه الشرع والوقت والمرحلة..

إنها عاطفة الفاروق عمر المستبصرة، لما قمعها لأمر القائد صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، ثم صار بعد ذلك يبذل القربات الصالحات، تكفيراً عن شك اعتراه في فقه الشرع والوقت والمرحلة..

إنها حماسة العدل التي عبر عنها شاعر الحماسة عبد الله بن رواحة رضي الله عنه يوم قال لليهود: لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي وأنتم أبغض الناس إلي وولله ما بغضي لكم وحبي له ليجعلني أن أبخسكم حقكم.

فقال اليهود: بمثل هذا قامت السماوات والأرض.. هي حماسة الحكمة وفقه التدرج، التي جسدها الخليفة الرباني عمر بن عبد العزيز لما تعجَّل ابنه الشاب في تطبيق الشريعة جملة فقال له عمر: لا تعجل يا بني فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدعوه جملة، فيكون من ذا فتنة.. إنها حماسة السلف الصالح..

إن عاطفة جياشة ملتهبة، لا تفقه الشرع وسياساته، ولا تدري الواقع وتشعباته، لا تقيم وزناً لتجارب السابقين، ولا تلقي بالاً لنصائح المشفقين..، إن عاطفة هوجاء كهذه، لهي عن اتباع السلف شاردة، وعلى مهالك الابتداع واردة، بل هي أمارة نفورٍ من تصبر واجب، وعلامة شرودٍ عن منهج سلفي راسخ ، مع ما في ذلك من دفع أصحاب المكر الكبَّار، لاهتبالها فرصاً سانحةً لضرب الإسلام وأهله ، فتكون المحنة فالفتنة، ويصبح حال الغلمان أولئك أنهم: " لا الإسلامَ نصروا ولا الكفرَ كسروا"، ولو أنهم تبعوا نصائح المشفقين، ونظروا في سوابق المجربين، لما وقعوا في شراك المكر والخديعة، وحبال الكيد والوقيعة.. ولا حول ولا قوة إلا بالله..

إن العاطفة الجياشة المحمودة، لهي التي يسوسها الوحي لا الأهواء، فتكون منضبطة بقواعد الشرع وأحكامه، ملتزمة بإرشادات الكبراء من أساطين العلم وأعلامه، يقرأ صاحبها بتمعن السيرة النبوية المطهرة، فيتعلم فنون الصراع والمدافعة، ويدرك سنن الابتلاء والمزاحمة، ويلاحظ عوامل نهوض الأمم وأسباب سقوطها، ويتعرف على المنهج النبوي في بناء الجماعة وإحياء المجتمع وإقامة الدولة.. ثم يجعل عاطفته الجياشة بعد ذلك ملتهبةً بما فقه، تابعةً لما علم، وإلا كان فريسة الأعداء، ومصيدة ذوي المكر الخبثاء!!.. إن فقه سنن النصر والتمكين، وما يسبقها من مراحل المحنة والابتلاء ليدفع أهل الإسلام في هذه الأيام العجاف، إلى التحلي بخلق التبصر والتصبر، والتخلي عن آفات التهوك والتهور، ولنا في ذلك أسوة بالمستضعفين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري:

جاء خباب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقال له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا، فقعد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو محمر وجهه، قال: «كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون»

ولسائلٍ أن يسأل: ماذا حدث حتى غضب النبي صلى الله عليه وسلم، وأنكر على المستضعفين من الصحابة مع أنهم ما طلبوا منه إلا الدعاء والاستنصار، ومع أن هذا الطلب خرج من نفوس أرهقها العذاب، وأضناها الجهد والبلاء؟!

والجواب على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم يريد إعلامهم أن الأمور مرهونة بأوقاتها، وأسبابها، وأن التمكين لا بد أن يسبق بالشدة والابتلاء، وأن أهل التمكين يجب أن يكونوا على قدره من جهة اليقين والصبر والتحمل والثبات، وغيرها من الخصال التي أناط الله التمكين بها..

قال العلامة بدر الدين العيني رحمه الله "في عمدة القاري" ما نصه:" وحاصل المعنى: لا تستعجلوا فإن من كان قبلكم قاسوا ما ذكرنا فصبروا، وأخبرهم الشارع بذلك ليقوى صبرهم على الأذى".

ولكم يا شباب الإسلام وأمل نصرته المنشودة، في سلفكم الصالح خير أسوة وقدوة، وصدق الإمام مالك في قوله: " لن يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أمر اولها.."

سددكم الله في درب ذات الشوكة، وجعل حماستكم خالصةً لوجهه، خاضعةً لشرعه.. والحمد لله رب العالمين.

 





المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحة Facebook بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع SaidaGate بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟

موقع بوابة صيدا يرحب بتعليقاتكم حول ما ينشره من مواضيع، اكتبوا بحرية وجرأة، فقط نأمل أن تلتزموا بأخلاقيات الكتابة وضوابطها المعروفة عالميا (تجنب الشتيمة والإساءة للأشخاص والأديان)

ملاحظات:

  • 1- إذا كنت عضوا في موقعنا وقمت بتسجيل الدخول فأنت لست بحاجة إلى إدخال إسمك ولا بريدك الإلكتروني.
  • 2- تعليقات أعضاء الموقع تظهر مباشرة بينما الزوار العاديين فإنها ستمرّ على صفحة الإدارة أولا.
* الإسم الكامل
* البريد الإلكتروني
* عنوان التعليق
* نص التعليق
* التحقق الالكتروني
أرسل تعليقك





قسم الصوتيات

كيف إلك نفس وإلك جلد تسمي هالفوضى بلد






  • وقفة تضامنية نصرة للقدس بدعوة من اللقاء التشاوري في مدينة صيدا / 25 صورة
  • توقيف الشخصين اللذين ظهرا في مقطع فيديو و هما يعتديان على احد المواطنين
  • وفد من متطوعي جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني يلتقي قيادات سياسية ودينية واجتماعية في صيدا دعماً للقدس / 5 صور
  • حدث في 17 كانون الأول / ديسمبر
  • ماروني: علامات استفهام بشأن المسؤولين الممسكين بملف النفط
  • أزمة ديبلوماسية بين لبنان والسعودية تلوح في الأفق
  • وما زلنا !!! في ثانوية صيدا الرسمية للبنين
  • صادق النابلسي في ذكرى المولد النبوي لفهم شخصية الرسول بعيداً عن الاسقاطات المذهبية
  • مصالحة في مكتب الشيخ ماهر حمود
  • طالبات الرحمة تحيي اليوم العالمي للغة العربية
  • السجن 40 عاماً لكرادجيتش بتهمة الإبادة في حرب البوسنة
  • السعودي شارك في إفتتاح فرع شركة الإبداع للتمويل متناهي الصغر في صيدا
  • هل سمعتم بمقام الشيخ صالح في صيدا؟؟
  • سراي الأمير فخر الدين.. هل تعرفون موقعها في صيدا؟
  • جريج: لا أعتقد ان تكون المبررات الامنية وراء اقفال العربية
  • الفوضى الخلاقة شعار أميركي... بإدارة إيران وحزب الله
  • سليماني لـ القيصر: أنجدنا وإلا خسرنا معاً الأسد وسوريا!
  • النزول الروسي في سوريا يؤكد فشل الجنرال سليماني

قسم الفيديو
اعتداء جماعي على شابة يدين شرطيين أميركيين


أخبار متفرقة
إذهب إلى أعلى الصفحة